
يسمى منهج راسل بمنهج التحليل. ويقول راسل عن منهجه هذا: "إن منهجي على الدوام هو أني أبدأ بشيء غامض ولكنه محير. شيء يبدو عُرضة للشك إلا أنني لا أستطيع التعبير عنه بشكل دقيق، فأقوم بعملية تشبه عملية رؤية شيء معين بالعين المجردة أولا ثم أفحصه بعد ذلك باستعمال المجهر". (محمد مهران، فلسفة برتراند راسل، ص 318).
نستنتج من هذا التعريف العام خاصيتين هما: أ) تحقيق الوضوح ب) وتحليل المركب إلى أجزائه المكونة له.
ويوصف منهج التحليل عند راسل بأنه منهج التبرير، بناء على تصوره الذي مفاده أن "كل اعتقاد نتبناه يحتاج إلى تبرير فلسفي".
فما هي أهداف منهج التحليل عند راسل؟
وما هي خصائصه؟ وما هي خطواته؟
لمنهج التحليل كما مارسه راسل ثلاثة أهداف وهي:
1- التقليل من عدد الكائنات في العالم والتقليل من عدد المفردات اللغوية: ويرتكز هذا الهدف على قاعدة أساسية يطلق عليها "نصل أوكام" (وللدقة موسى أوكام، rasoir d Ockham، وهو مبدأ للبرهنة، ارتبط بالقس الإنجليزي غيوم الأوكامي، في القرن الرابع عشر)، وصيغته على الشكل التالي: "لا يجب استعمال الكلمات المتعددة بدون ضرورة لذلك"، أو أيضا "لا يجب أن نضاعف عدد الأشياء إذا لم تكن هناك ضرورة لذلك" ويسمى أيضا بـ"مبدأ البساطة أو مبدأ الاقتصاد". ومضمون هذا الهدف هو أن تصبح الأشياء مجرد فئات من المظاهر المعبرة عنها، والوصول إلى الحد الأدنى من المفردات اللغوية. يتعلق الأمر باختزال عدد الأشياء في العالم واختزال عدد المفردات اللغوية. وكل ذلك من أجل الحد من الأخطاء والحد من الوقوع في الأخطاء.
2- تبرير المعتقدات المتبناة: ومعنى ذلك إيجاد الأسس التي ترتكز عليها هذه المعتقدات والأسباب التي أدت إلى تبنيها. والغاية من ذلك هو الوصول لحقائق واضحة بذاتها مثل حقائق الإدراك الحسي ومبادئ المنطق، اعتمادا على تعريف راسل للواضح بذاته الذي هو: "ما يُعرف بطريقة أخرى غير الاستدلال".
3- الزيادة في المعرفة: من أهداف التحليل تقديم معرفة جديدة. ورغم أن التصور السائد عن التحليل هو أنه لا يتجاوز تحقيق الوضوح، فإن راسل يدافع عن فكرة خاصة به وهي أن التحليل يحقق الوضوح والدقة، والزيادة في المعرفة في نفس الوقت. يتصور راسل مهمة الفلسفة على أنها "فهم العالم على أفضل وجه ممكن". فالتحليل ضمن هذا المنظور يكشف عن معارف جديدة تخص عناصر ومكونات المواضيع المركبة.
وعلى سبيل المثال: فالشخص الذي ينصت لسيمفونية دون أن يكون دارسا للموسيقى، لا يحصل إلا على انطباعات عامة وغامضة حول السيمفونية، خلاقا للمايسترو، قائد الفرقة العازفة، الذي ينصت للسيمفونية ككل مركب وقد حلله لأجزائه المتعددة المكونة له.
وفي مجال العلوم التجريبية: لما نتعرف على العنصرين المكونين للماء وهما الهيدروجين والأوكسجين فإن ذلك لا يفيد الماء في شيء ولكن الذي يعرف ذلك يكتسب معرفة جديدة بمكونات الماء عبر التحليل. ويذهل راسل إلى أن التقدم لن يتم إلا بفضل منهج التحليل.
ويرتكز منهج التحليل على عمليتين هما:
- التحليل الاختزالي (أو الردي): ويتعلق برد أو اختزال المواضيع المركبة إلى عناصرها البسيطة وهو يطبق على الأشياء أو على ما ترمز إليه الرموز. مثلا التحليل الاختزالي للعقل: يهدف إلى استبعاد العقل (لغموضه) باختزاله إلى مظاهره مثل المخ والإحساسات والصور الذهنية...
- التحليل الرمزي (أو اللغوي): ويهدف إلى تعويض العبارات المحتوية على رموز بعبارات أخرى خالية من الرموز (والمقصود بالرمز هنا هو اللفظ)، فلفظ ديكارت رمز بسيط، أما "مؤلف مقال عن المنهج" فهو رمز مركب.
ما هي إذن خصائص منهج التحليل عند راسل؟
يمكن إجمال تلك الخصائص على الشكل التالي:
أ- يتميز منهج التحليل بالتمييز بيم المشكلات وتقسيم كل مشكلة إلى مكوناتها الجزئية لتسهيل تناول كل جزء على حدة وبشكل منظم.
ب- يجعلُ منهجَ التحليل الفلسفةَ بحثا نظريا في الأشياء والعالم بغض النظر عن رضانا أو عدم رضانا أو عن أية عملية إشباع كيفما كانت. وهذا يعني تجنب البحث في قضايا مثل أصل الكون، ومصير الإنسان، والسعادة...
ج- يتطلب منهج التحليل ألا تتجاهل الفلسفة معطيات العلوم ونتائجها. أي على الفلسفة أن تتوخى الموضوعية في أبحاثها دون التأثر بأية دوافع شخصية أو التأثر بأية معتقدات.
د- يقتضي منهج التحليل أن يتخذ البحث الفلسفي مبادئ المنطق ونظرياته كأساس له. ومعنى ذلك أن تحاول الفلسفة استخدام بعض النظريات المنطقية الأساسية في التطرق للإشكاليات الفلسفية قدر المستطاع.
أما خطوات منهج التحليل عند راسل فيمكن صياغتها على الشكل التالي:
أ) الشعور بمشكلة فلسفية (ملازمة الغموض والحيرة والقلق للشعور بهذه المشكلة)
ب) إعداد المعطيات الخام لبحث المشكلة المعنية، وهي مختلف المعارف المألوفة التي تتميز بالغموض والتركيب، وهو ما يجعلها موضوعا للنقد والفحص والتحليل لعزل العناصر الصادقة عن الخاطئة والتخلص مما بها من حشو، وقد تؤدي عمليات الفحص والنقد إلى الشك فيها كلها.
ج) الانتقال من المواضيع المركبة الغامضة إلى العناصر البسيطة. ويتم ترتيب العناصر الأولية البسيطة في عدد محدود من القضايا التي ستصبح مقدمات أولية لمعتقداتنا.
د) القيام باختبار العناصر البسيطة التي توصلنا إليها للتأكد من درجة يقينها. وإذا كانت النتائج التي توصلنا إليها والتي هي عبارة عن مقدمات أولية أقل غموضا من المعارف التي اشتُقت منها، فقد تكون بعض المقدمات الأولية تقتضي الشك فيها.